محمد متولي الشعراوي
3011
تفسير الشعراوى
ندخل في هذه الزمرة ؛ ونفكر في أن ننطق بالإيمان ؟ فكأن قوله : « إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ » صان قانون الاحتمال أن يكون إنسان منهم فكر في الإيمان . ومن فكر في الإيمان فسوف يجد قوله الحق : « إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ » وسيرى هذا الإنسان في نفسه أن القرآن دليل نزل على نور . وقد كان وأعلن قليل منهم إسلامه ، وماذا يكون موقفه صلّى اللّه عليه وسلم بعد أن يخبره الحق : بأنك ستتعرض مستقبلا لخيانتهم ؟ ألا يحرك ذلك نفسية رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم والمؤمنين عليهم ، فإذا فعل اليهود خائنة فلا بد أن ينتقموا منهم ، وتطبيقا للقاعدة الأساسية في رد العدوان بأن من يعتدى عليك فاعتد عليه . لم يشأ اللّه - سبحانه - أن يترك الموقف لعواطف البشر مع البشر بل قال : « فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ » والعفو هو كما نقول : فلان عفّى على آثاري ، أي أن آثارك تكون واضحة على الأرض وتأتى الريح لتمسحها فتعفى على الأثر . والأمر بالعفو أي امسح الأثر لذنب فعلوه . والخطيئة التي ارتكبوها عليك أن تعتبرها كأنها لم تحدث ، ولكن أيظل أثرها باقيا عند رسول اللّه ؟ لا ، فالأمر بالصفح يأتي وهناك فرق بين أن تمحو الخطيئة وتبقى أثرها في نفسك وتظل في حالة من الغيظ والحقد . والحق هنا يأمر بالعفو أي إزالة أثرها ويأمر بالصفح أي أن تخرج أثر الخطيئة من بالك ؛ لأن الإنسان منا له مراحل ؛ المرحلة الأولى بعد أن يرتكب أحدهم ذنبا في حقه ، فلا يقابل العدوان بمثله ، وهذا هو العفو ، والمرحلة الثانية : ألا يترك أثر هذا الذنب يعمل في قلبه بل يأتي الصفح حتى لا ينشغل قلب المؤمن بشئ قد عفا عنه ، والمرحلة الثالثة : فرصة مفتوحة لمن يريد أن يتمادى في مرتبة الإحسان وترقى اليقين والإيمان بأن يحسن الإنسان إلى من أساء إليه . وهذه المراحل الثلاث يوضحها قوله الحق : وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ( من الآية 134 سورة آل عمران ) وعملية الإحسان مع المسىء أو المعتدى : أهي عملية منطقية مع النفس الإنسانية ؟ قد تكون غير منطقية مع النفس الإنسانية ، ولكنك أيها الإنسان لا تشرع